السيد محمدحسين الطباطبائي ( تلخيص إلياس الكلانتري )

380

مختصر الميزان في تفسير القرآن

تكون كذلك سواء كانت أحوالا أو ملكات ، وأما الخطورات والهواجس النفسانية الطارقة على النفس من غير إرادة من الانسان وكذلك التصورات الساذجة التي لا تصديق معها كتصور صور المعاصي من غير نزوع وعزم فلفظ الآية غير شامل لها البتة لأنها كما عرفت غير مستقرة في النفس ، ولا منشأ لصدور الافعال . فتحصل : أن الآية إنما تدل على الأحوال والملكات النفسانية التي هي مصادر الافعال من الطاعات والمعاصي ، وأن اللّه سبحانه وتعالى يحاسب الانسان بها ، فتكون الآية في مساق قوله تعالى : لا يُؤاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ ( البقرة / 225 ) ، وقوله تعالى : فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ ( البقرة / 283 ) ، وقوله تعالى : إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤادَ كُلُّ أُولئِكَ كانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا ( الإسراء / 36 ) ، فجميع هذه الآيات دالة على أن للقلوب وهي النفوس أحوالا وأوصافا يحاسب الانسان بها ، وكذا قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ ( النور / 9 ) ، فإنها ظاهرة في أن العذاب إنما هو على الحب الذي هو أمر قلبي ، هذا . فهذا ظاهر الآية ويجب أن يعلم : أن الآية إنما تدل على المحاسبة بما في النفوس سواء أظهر أو أخفي ، وأما كون الجزاء في صورتي الإخفاء والاظهار على حد سواء ، وبعبارة أخرى كون الجزاء دائرا مدار العزم سواء فعل أو لم يفعل وسواء صادف الفعل الواقع المقصود أو لم يصادف كما في صورة التجري مثلا فالآية غير ناظرة إلى ذلك . قوله تعالى : فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، الترديد في التفريع بين المغفرة والعذاب لا يخلو من الاشعار بأن المراد بما في النفوس هي الصفات والأحوال النفسانية السيئة ، وان كانت المغفرة ربما استعملت في القرآن في غير مورد المعاصي أيضا لكنه استعمال كالنادر يحتاج إلى مئونة القرائن الخاصة . وقوله : إِنَّ اللَّهَ * تعليل راجع إلى مضمون الجملة الأخيرة ، أو إلى مدلول الآية بتمامها .